الرئيسية / كتاب الحقيقة / فصل الدين عن الدولة.. تخريف وتزييف
الكاتب فيصل المناور

فصل الدين عن الدولة.. تخريف وتزييف

نشر إليكم مقال للكاتب فيصل المناور  خصت به بعنوان ((فصل الدين عن الدولة.. تخريف وتزييف‎‎)) نص المقال أدناه، والتعليق لكم:-

 

الحمد لله خالق الكون على نظام محكم متين، والصلاة والسلام على أنبيائه العظام هداة الأمم إلى الحق المبين، لا سيما منهم على النبي العربي الذي ارسله رحمة للعالمين، ليرقى بهم معاشاً ومعاداً على سلم الحكمة إلى عليين.

أما بعد؛ “فصل الدين عن الدولة” مقولة تتردد بشكل يومي عبر وسائل الاعلام المختلفة سواء المرئية منها أو المسموعة أو حتى المقروءة، والتي تتخذ من الليبرالية والعلمانية منهجاً لها، ويتنطع ويستلذ بنو ليبرال وآل علمان بتكرار تلك المقولة بهدف اظهار القوى والتيارات الدينية بمظهر التخلف والرجعية والمعوق لحركة التطور والحداثة.

ويتوارد في ذهني عند سماع تلك المقولة تساؤل موجه لأصدقائنا (الرفقاء) أنصار الفكر الليبرالي والعلماني في العالم الإسلامي، وهو: هل هناك من أحد قد قام بالبحث عن أصل تلك المقولة؟ وهل تفحص وتمحص أنصارها الدعائم التي قامت عليها؟

كلنا يعرف عن المدينة الفاضلة عند “أفلاطون” الفيلسوف الإغريقي الشهير، والتي هي في حقيقة الأمر تصور خيالي (غير حقيقي) لما ينبغي أن تكون عليه المدينة على أرض الواقع، حيث تقوم مدينته الفاضلة على عدد من المبادئ التي كان أهمها “أن تكون هذه المدينة التنظيم الاجتماعي والسياسي الأول للأفراد والجماعات، وجعل الأخوة هي أساس الروابط بين الشعوب، كما دعى إلى المساواة بين الجنسين، وأن الحكم ليس بالضرورة أن يكون بيد فرد واحد، وغيرها من المبادئ”.

وما يهمنا هو تأصيل السياق التاريخي لمقولة “فصل الدين عن الدولة”، حيث يدعي بنو ليبرال وآل علمان أنه عندما انتهى “أفلاطون” من مؤلفة حول المدينه الفاضلة طرح عليه أحد تلاميذة تساؤل حول كيفية تطبيق تصوراته على أرض الواقع، وما هي قوة الإلزام التي تحفظ تلك المبادئ من

التعديات والانتهاكات من قبل الأفراد والجماعات، ودار بعد ذلك نقاش وحوار طويل حول صياغة ملامح تلك القوة الملزمة، حتى تم التوصل في نهاية الأمر إلى فكرة ايجاد قوة خارقة غير مرئية تمثلت بــــ “الإله”، فظهرت بعد ذلك “الآله” عند الإغريق والرومان والفرس وغيرها من حضارات.

ويزيد بنو ليبرال وآل علمان إدعاءهم أن كل الأديان قد تم استنباطها من المبادئ التي قامت عليها المدينة الفاضلة، وأن الرسل والأنبياء هم مجرد أناس أذكياء فقط (أستغفر الله) استطاعوا صياغة مجموعة من الأفكار لإصلاح مجتمعاتهم استناداً على مبادئ المدنية الفاضلة، وجعلوا من “الإله/الله” (والعياذ بالله) بمثابة تلك القوة الخارقة غير المرئية والتي وصفها بنو الإلحاد بأنها “خرافة”، وأن المعجزات ما هي إلا قصص وتخيلات يرويها الرسل والأنبياء من أجل اثبات أن هناك قوة خارقة ستعاقب كل من يتعدى على تعليمات تلك الأديان، وهم كذلك يؤمنون بأن الأنبياء كان لهم هدف خير وهو إصلاح مجتمعاتهم، ولكنهم لا يؤمنون بأن تعاليم تلك الأديان ولا سيما الإسلام تصلح لكل زمان ومكان.

ويتضح لي مما سبق، أن مقولة “فصل الدين عن الدولة” هي في الأصل تمثل فكراً إلحادياً، فكيف لي أن فصل بين ديينا الإسلامي الحنيف الذي لم يترك لا كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها ووضع لها المعالجات والقواعد والأصول للتعامل مع مختلف القضايا؟! كيف أفصل بين الإسلام والدولة وأنا مؤمن بقول الله تعالى ()مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ))؟! كيف لي أن أفصل بين الإسلام والدولة وأنا أراجع تاريخ الدولة الإسلامية في عهد النبي – صل الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين – رضي الله عنهم- في حقبه كانت أبرز سماتها العدل والاحسان وتحقيق الإندماج الاجتماعي بين كافة أطياف الدولة في ذلك العهد الجميل؟! كيف أفصل بين الإسلام والدولة وأنا أتذكر أنا أمتنا كانت قوة عظمى سيطرت على العالم من الصين إلى المحيط؟! كيف أفصل بين الإسلام والدولة وأنا أجد المعجزات العلمية التي يكتشفها العلماء في الوقت الحاضر وهي مذكورة في محكم التنزيل منذ أكثر من 1400 سنه؟!

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .. وأقول لبنو ليبرال وآل علمان من المسلمين ألا تتفكرون ألا تتعقلون، وأذكرهم بقول الله تعالى (( َلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ ِوالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ))، وهي آيه كريمة تحث الناس على التفكر والتعقل في

ملكوت الله، وهي ترهب وتذكر كل من ينكر ملكوت الله بجهنم، ويشبهم رب العباد بأن حياتهم ومنهجهم أضل من منهج وأسلوب حياة البهائم، وأنهم في غفلة، وأن عقولهم في غيبوبة تامة.

والمعلومة الهامة التي أسلط الضوء عليها في هذا المقال أن الحوار الذي تم بين “أفلاطون” وأحد تلاميذة هو إفتراء وخرافه وتزييف تم إختلاقها ولا أساس لوجودة لكي يجد بنو ليبرال وآل علمان المبرر أو المسوغ لنشر مقولتهم التي مفادها “فصل الدين عن الدولة”، والتي توصلنا إلى نتيجة حتمية وهي الإلحاد (أستغفر الله مره أخرى).

أتوقع أنه بعد هذا المقال سيشن منظري وأتباع المنهجين الليبرالي والعلماني هجوماً تنظيراً على ما سبق، ولكني أتحداهم إثبات إسم أو تحديد هوية تلميذ “أفلاطون” صاحب نظرية القوى الخارقة، وأقول لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

إني أدعو للتفكر والتعقل لمن لم تغيب عقولهم، ولم تقسى قلوبهم، ولم تصم آذانهم، للوقف على حقيقة مقولة “فصل الدين عن الدولة”، والتي ما هي إلا خرافة وتخريف وتزييف.

(ارجو الله أن يجعل حسن نيتي شفيع سيئاتي)

د.فيصل المناور- أكاديمي كويتي

Twitter: @FisalAlMonawer

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*