انضجوا

ننشر إليكم مقال للكاتبة نوال اليحيى خص به    مقاله بعنوان ((انضجوا )) نص المقال أدناه، والتعليق لكم:-

 

ألا يصح أن نكون كلنا ضمن الحراك .. ولو لم نتفق في مسألة؟!
لن أدبج الكلام العاطفي عن” سلامة الصدر من الأحقاد” وأن” اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية” … ففي أجواء السياسة لا تصلح هذه اللغة المثالية ..
لكن، وبلغة المنطق والعقل والواقع؛ هل يوجد في أي مجال في الحياة انسجام كامل واتفاق تام؟!
مِن أصغر مكونات المجتمع” الأسرة” إلى أكبرها؛ البرلمان، ومجلس الوزراء، وأسرة الحكم .. بينها اختلاف وخلاف .. يصل إلى حد التنافر والحرب السافرة في أحيان كثيرة{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين}.
لن أتكلم عن أخلاقيات وآداب الاختلاف- على أهميتها- فقد سطرت وغيري الكثير في هذا المعنى، وليس هذا موضوعنا اليوم ..
ما أود لفت النظر إليه؛ الثراء في الاختلاف، والحكمة في إدارته وتوجيهه لصالح الحراك وتحقيق أهدافه .. من خلال لعب الأدوار المختلفة، حسب مؤهلات وقابليات الأفراد، وبما تتطلبه مختلف المواقف والمراحل .. ففي كل مجال عمل؛ سياسي، وظيفي، تطوعي … إلخ. تتنوع التخصصات، وتتكامل الأدوار، ويتوزع الأفراد بينها بما يتناسب مع طبيعة وشخصية وقناعات كل منهم .. وتؤدي كل جهة دورها المحدد في إكمال الأحجية …. المعقدة جداً ….
في كل بلد يوجد يمين ويسار، في كل برلمان مخلص ومتمصلح، في كل حزب صقور وحمائم ..
وهذا لم يعق المسيرة! بل خدمها وأثراها وصححها بتعاكس الرؤى، وتضارب الأفكار، وتداول الآراء و.. تبادل التهم أحياناً ..!
يصفق جمهور الرياضة لصاحب القدم التي سجلت هدف الفوز، وينسى دور الفريق المتكامل؛ المكون من هجوم ودفاع ووسط .. والمدرب- الذي رسم الخطة ووزع الأدوار- والذي يجلس مثلهم في مقعد المتفرج !!
وفي الفرق الموسيقية” ناي” ناعم و” قانون” دقيق الأوتار و” أورغ” غربي و” عود” شرقي … وطبل مزمجر يعلو على كل صوت .. وتتجلى عبقرية الملحن في صياغة النوتة بدقة متناهية، وتوظيف كل آلة في المكان والتوقيت السليم؛ وحين يقود الفرقة يُصمِت الجميع كي يشدو” الناي” الحزين وحده، أو يتفنن” القانون” بلحنه .. ثم تترافق كل الآلات بانسجام مدهش رغم التناقض التام الظاهر بينها …
في الصراعات الدولية تطبق سياسة تنوع المواقف واختلاف الأدوار، وتقدَّم الجزرة بيد وتلوِّح الأخرى بالعصا .. وخلال الغزو العراقي المشئوم للكويت تمكنت بعض الأنظمة- التي لم تصطف مع الكويت- من لعب دور الوسيط والمحاور بيننا وبين النظام الجائر .. وساعدت نوعا ما في تسهيل مرور الفارين بحياتهم، ودخول الأهالي لزيارة أسراهم ….
في الحراك نحتاج إلى من يرفع السقف عالياً جداً .. ونحتاج إلى من يفسح للسلطة مجال التراجع .. بلهجة حكيمة ناعمة ..
صدمت ككثيرين غيري بتعبير” حراس القصر”، وأختلف معه جملة وتفصيلاً، خاصة بعد صدمة الغزو، وما أعقبه من ممارسات السلطة العابثة وغير المسئولة .. لكن من يعرف دقة وحكمة” السعدون”يدرك أن الكلمة كانت تستهدف شرائح خارج الحراك، وأن الخطاب حرص على إحداث توازن؛ يدفع فيه تهم المؤامرات الانقلابية عن الحراك، ويخاطب المتحفظين على ممارسات المعارضة، ويطمئن السلطة إلى نوعية وسقف الحراك، ويبث رسالة تصالحية بأن يدنا ممدودة .. إن مددتم أيديكم .. وإلا فسيأتيكم من ينزع السقف .. من الشباب المتحمس داخل الحراك ..
اختلف مع” البراك” في أسلوب ومفردات خطاباته .. وهذا لم يمنعني من تبني الفكرة، والتصفيق للجرأة، والاصطفاف وراء الهمة، ودعم الموقف الشجاع، والوقوف ضد الانتقائية في تطبيق القانون ..
لست من عشاق التقديس والتأليه والتنزيه لأي بشر .. وكنت ولا زلت أدعو لقياس وتقييم المواقف دون تعصب أو تبرير أو انتقاص من أشخاص أو هيئات ..
تعرض النبي المعصوم عليه أفضل الصلاة والتسليم لموجات من الهجوم والتشكيك والاستهزاء وصلت إلى حد الطعن في العرض … وفي أوج هذا كله خلّد القرآن الكريم عتاب الله عز وجل وتاديبه” العلني” لرسوله في آيات تتلى إلى يوم الدين، وقصص تحكى لتنبيه الغافلين في أكثر من موقف؛{ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم}، { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم}، { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}، { عبس وتولى} .. فما قلل هذا من قدر النبي شيئاً، بل زاد من فضله، لأن أخطاءه المعدودة نتيجة طبيعية لاجتهاده البشري، وأن كل من يعمل حتماً سيخطئ، وأن صاحب الثوب الأبيض ينتبه أو ينبه لأقل دنس يصيبه، وقد قيل:” كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه” ..
وهذه قيم عظيمة تذكرنا بشجاعة المصارحة في تقديم النقد، دون انبهار بأثر الهالة القدسية، وبأن العظيم حقاً هو من يتواضع في قبول النقد بسعة صدر، ويحرص على الاستفادة القصوى منه، دون طعن في النوايا .. أو تصنيف للأشخاص .. أو تخيل لتحالفات ومؤامرات وهمية ..
يتعرض الحراك لهزات وزلازل وبراكين .. تضره على المدى القريب .. وتفيده على المدى البعيد؛ فهي تقويه، وتكشف كوامنه ومعادنه ومدى صموده وتماسكه ..
أفهم رسائل” جبل وارة” كصدمة كهربائية لإنعاش الحراك ومحاولة متحمسة لتحريك ركوده، ومسعى لتصويب بعض الممارسات والمسارات، ولا أفهم البتة أن هدفه النهائي استبعاد بعض مكوناته أو الهجوم الشخصي على رموزه ..
فالحراك إنما يستمد قوته- بعد توفيق الله- من شموله لكل المتناقضات، وتمثيله لمختلف الشرائح، التي لم تتفق من قبل كاليوم، وهي التي لم يسبق لها العمل معاً ككتلة واحدة .. ولا شك أن وجود هذه الكتلة رسالة واضحة وقوية جداً للسلطة .. لا نقبل أي تفكيك أو تفريغ لمكوناتها … ولو بحسن نية ..
الفساد الجماعي المنظم لا يواجه إلا بإصلاح” جماعي” و” منظم” .. وعقلية الإقصاء قد تناسب العمل الفردي، لكنها حتماً تهدم الكتل والتحالفات والجماعات .. ولأننا في مجتمعات اعتادت الفردية في كل شيء، وتَروج فيها مصطلحات:” أنا غير/ أنا مختلف ..” بصيغة الفخر والعلو على الغير والاغتناء عن الرأي الآخر .. وما زلنا ننتظر المعجزات من” الرموز”، ونكفي عقولنا عبء التفكير في وجود من يفكر بدلاً منا! وننظر إلى الأحزاب بريبة وحساسية، ونفهم العمل الحزبي كمسح للهوية الشخصية وانصياع أعمى …. فلعلنا نحتاج إلى صبر ودهر كي ينجح أي مشروع جماعي ..
يتوقف الحراك على فترات، لأننا بشر لا آلات، ولأننا حققنا نجاحات وإخفاقات، ولأن كل خطوة تحتاج إلى مراجعات، ولأن الحكمة تقتضي التقييم الموضوعي لما فات ..
المجادلة بالرأي، والمصارحة بالنصح، والوضوح في الموقف، والشفافية في التوجه .. علامات صحية بأن الحراك حي طاهر، يطهر نفسه بنفس، لا يداهن في خطأ .. من أي كان ..
تناقض الأقطاب طبيعي، ومفهوم، فلكل توجهه وأفكاره ومزاجه .. وللشعور العام بالخطر المحدق بالبلد ..
نُحيت جانباً الخلافات والذوقيات .. من أجل الهدف المشترك .. وهذا أجمل ما تحقق خلال هذا الحراك ..
عند الشعور بالفشل والإحباط وقلة الصبر على طول المسير إلى الهدف .. يكثر التعاتب وتبادل التهم، وينسى البعض معركته الرئيسية ضد الفساد .. بفتحه لملفات قديمة تدين منافسيه داخل الصف؛{ فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون} يتلاومون إن ملكوا الشجاعة والوضوح و” يتناغزون” إن افتقدوها وتمترسوا خلف اسم مستعار أو تعبيرات محيرة وغير مفهومة .. المهم أن يلقي كلٌ منهم الخطأ على غيره ويحمله وحده كامل المسئولية! وينسى أنهم في الخطأ مشتركون، وفي سفينة واحدة إلى مصير واحد سائرون ..
من الحكمة والنضج والصدق مع النفس والحرص على البلد تحمل المسئولية، ولو كانت غير مباشرة،
والاستفادة من تناقض وتنوع مكونات الحراك كي تنضج بعضها؟ فتناقض مكونات الحراك .. كتعاكس اليدين؛ يمكنهما من غسل وتطهير ومداواة أحدهما الأخرى، وعند الحمل الثقيل توحدان جهودهما، وفي الفرح تصفقان معاً !
كلما توحدت الرؤية وعلت الغاية واتضح الطريق .. تناسى الفرقاء خلافاتهم، وقلت الضربات المتبادلة .. تحت الحزام ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*