جديد الحقيقة
الرئيسية / كتاب وآراء / كتب ـ أحمد الجارالله: من عبدالله السالم إلى السلطتين: تُهدى الأمور لأهل الرأي إن صلُحت وإن تولَّت فبالأشرار تنقادُ

كتب ـ أحمد الجارالله: من عبدالله السالم إلى السلطتين: تُهدى الأمور لأهل الرأي إن صلُحت وإن تولَّت فبالأشرار تنقادُ

منذ بدأت الحياةُ النيابيَّةُ في الكويت عام 1963، حدثت أزماتٌ عدة، أطولها وأكثرها تعقيداً تلك التي وقعت في ديسمبر عام 1964، وكانت الامتحان الأول للديمقراطية الوليدة، لاسيَّما أنها استمرت حتى مارس من العام 1965، وعُرفت يومها بـ”أزمة المادة 131″ ظاهرياً، فيما كان الهدف حقيقة هو أشخاص في التشكيل الوزاري لم يرضَ عنهم المجلس.

بعد استقالة حكومة الشيخ صباح السالم، رحمه الله، وتعيين أخرى جديدة، عُيِّن يومها الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، رئيساً للوزراء بالنيابة، لكن المشكلة استمرت، وكان الشيخ عبدالله السالم، رحمه الله، يقضي إجازته في الهند، حيث زاره الشيخ جابر وعرض الأمر عليه، فعاد إلى البلاد، وفي المطار ردَّد يومها قول الشاعر العربي القديم:

“تُهدى الأمور لأهل الرأي إن صلُحت

وإن تولَّتْ  فبالأشرار تنقادُ

لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سَرَاة لهم

ولا سَرَاة إذا جُهَّالُهم سادوا”

واطلع من الأطراف كافة على وجهات نظرهم، ويومذاك، رأى أنَّ المطالبَ التي عرضها النوابُ مُحقة، فحسم الأمر باستمرار مجلس الأمة، الذي كان الفريق الحكومي يسعى إلى حله.

بذلك، طوت الكويت أزمة “الثلاثين نائباً” وعادت الحياة البرلمانية، غير أنَّ الأمر لم يستمر طويلاً، إذ نشبت أزمة ثانية في العام 1967، بعد الاتهامات التي شاعت عن تزوير الانتخابات، وكانت، أيضاً، امتحاناً جديداً للديمقراطية، لكن سرعان ما عولجت الأمور، إلا أنَّ الصراع بين الحكومة والمجلس بلغ ذروته في العام 1976 فكان قرار حلِّ الأخير وعُلِّق العمل ببعض مواد الدستور حتى العام 1981.

اليوم ومع شكل المجلس الجديد، ثمة ضرورة لمراجعة تطور الحياة البرلمانية في البلاد، وكيف تتوالد الأزمات حين تكون المعارضة النيابية قوية، وتتعنت بفرض شروط معينة لا تنسجم مع الواقع، مثل ما حدث في العام 1986، وتعطيل الحياة النيابية بعد استحكام الأزمة بين السلطتين، ما دفع حينها إلى لجوء الحكومة لما عرف بـ”تفريغ الأزمة” بعدما عجزت عن السيطرة على المجلس، فعلق العمل بالدستور إلى ما بعد الغزو.

يبدو المشهدُ اليوم أقرب إلى تلك الأزمات، خصوصاً ما حدث عام 1964 و1986، لكن الفارق أن التكتل النيابي الكبير المعلن عنه قبل أيام، تقدم بجملة مطالب بعضها شعبي، وبعضها لا يُعبِّر عن إرادة الناخبين، خصوصاً العفو الشامل، وكأنه المشكلة الوحيدة التي تعانيها البلاد، فيما هو بمثابة لغم كبير ستواجهه السلطتان قريباً جداً، وسيكون محل نزاع لن تخرج منه أي منهما سليمة.

في السنتين الأخيرتين من عمر المجلس السابق، تحول هذا الاقتراح إلى صراع متعدد الرؤوس، ليس بين الحكومة والمجلس فقط، بل أيضاً بين النواب أنفسهم، فمنهم من أراد تفصيله على مقاس مجموعة هاربة إلى الخارج من أحكام قضائية نهائية، فيما دس فيه بعضهم العفو عن مجموعة إرهابية ثبت بالأدلة والبراهين تحضيرها لعمل أمني كبير، بينما رأت الحكومة أن العفو يُمنح ولا يُفرض.

الكويتيون اليوم لا يرون في ذلك مطلباً مستعجلاً، فيما الوضع الاقتصادي أكثر أهمية، ومشكلة القروض والمعسرين تفرض ذاتها على الجميع، وكذلك تعديل قانون الجرائم الإلكترونية، والتخفيف من التشدد الاجتماعي الذي تسببت به المجالس السابقة حين ترك الخيط والمخيط لـ”الإخوان” والإسلاميين وغيرهم ممن سعوا إلى التحكم حتى بالناس في منازلهم، ومنع الاختلاط المخالف للتراث الثقافي والاجتماعي الكويتي، وإغلاق البلاد، وإقرار قوانين ذات طابع عنصري.

في المجلس الحالي هناك 31 نائباً قبلياً، فيهم نخبة ممن يحملون شهادات عليا، إضافة إلى آخرين ممن لديهم خبرة كافية في الممارسة النيابية، وكل هؤلاء يتمتعون بالقدر الكافي من الثقافة التي تؤهلهم لمقاربة القضايا الشعبية والابتعاد عن الاستعراض في قاعة عبدالله السالم، وبالتالي عليهم أن يُدركوا جيداً أن أي مغامرات بالقضايا التي تهم مصالح الناس ستكون عواقبها وخيمة، تبدأ بالدوران في حلقة التصعيد العبثي، وربما تصل إلى حل المجلس وتعليق الدستور، لذا لا بد من لغة حوار مشتركة بين السلطتين تؤدي إلى معالجة الملفات الأكثر إلحاحاً، كي لا تغلب على الممارسة النيابية والحكومية المراهقة السياسية التي تزيد من مشكلات البلاد.

عن ALHAKEA

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*